المشرف العام

مراقبة النفس

4/1/2021 - 3:08 ص     156

مراقبة النفس ومحاسبتها

     هدف تهذيب النفس هو التحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل، وهذا وإن كان حاصلاً في كثير من المؤمنين الصالحين، ولكن التحلي والتخلي ليس هو نهاية المجاهدة بل تثبيت الفضائل أيضاً يحتاج للمجاهدة.  فلابدّ لجامع الفضائل وطالب حفظها من الجد والإجتهاد في طلب خفايا عيوبه والسعي للخلاص منها أولاً بأول ،  فإن النفس محبوبة بذاتها، ومحبوبة في كل ما يصدر عنها مما يؤدي إلى خفاء عيوبها ، بل ربما تظهر عند الإنسان كالمحاسن، فالإنسان بطبيعته يحب نفسه، ولا يتصور حصول أي مكروه لها، حتى اذا تصور الأمراض أو الموت فإنه يتصور ذلك في غيره وحتى اذا دخل الحرب توقع السلامة لنفسه ولذا لا يرى عيوب نفسه وإن رأى شيئاً منها فإنه يرى أنه عيب مبرر.

     وعلى ذلك لابد له من التدقيق في طلب عيوب نفسه، وذلك بالحرص الشديد على المراقبة وملاحظة الآثار الصادرة منها من أفعال أو أقوال.

     فإن نجح في ذلك فهو المطلوب وإلا فعليه باختيار صديق يثق بفحصه عن عيوبه أو يؤمّنه بالعهود والمواثيق المؤكّدة.

     كما أن عليه أن تظهر له البهجة والسرور بإخباره بها حتى يكون ذلك سبباً دافعاً للنصح لا أن يقابله بالنكران والغضب وعدم الرضا مما يؤدي الى كتمانها عنه.

     وإلا فليطّلع عليها من أعدائه، فربما نفع المؤمن ذم أعدائه له في التنبيه على العيوب، فإنّهم يصرّون على إظهارها، بل ربّما يتعدّون إلى الكذب والبهتان، ولنعم ماقيل:

 

وعين الرضا عن كل عيب كليلة
 

 

ولكّن عين السخط تبدي المساويا
 

 

     ولرغبة كثير من أصحاب النفوس الضعيفة للإطلاع على عيوب بعض الناس والاستقصاء فيها، فعليه أن يتأمّل في نفسه ، فإن لم يصدر عنه شيء من قبائح الأفعال حمد الله الواهب المتعال على عظيم النوال ، وإلا عاتب نفسه وأدّبها بما ذكر، وذلك بما يلي:

     أولاً: أن يتذكّر مساوئ سُوء الخُلُق وأضراره الفادحة، وأنّه باعِثٌ على سخط اللّه تعالى، وازدراء الناس ونفرتهم.

   ثانياً: أنْ يستعرض فضائل حُسن الخُلق، ومآثره الجليلة، وما ورَد في مدحه، والحثّ عليه.

   ثالثاً:  التريّض على ضبط الأعصاب، وقمع نزَوَات الخُلق السيّئ وبوادره، وذلك بالترّيث في كلّ ما يصدر عنه من قول أو فعل، مستهدياً بقول الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه وآله:  أفضل الجهاد مَن جاهد نفسَه التي بينَ جنبيه.

     فإن لم ينفع ذلك فليوبّخ نفسه وليؤدّبها بالذّم واللوم فكراً وقولاً وعملاً، فإن حصل المقصود، أو بالسعي بالتحلي بالفضيلة المضادة، لعدم انفكاك أحدهما عن الآخر في الخارج، ولذا عدّ كلّ منهما علاجاً للآخر، فإنّ التخلّي عن الرذائل كما أنه مأمور به لقبحها وايجابها للهلاكة ، فكذا التحلي بالفضائل مرغوب فيه لحسنها واستلزامها السعادة ، بل ربّما كان الثاني أهمّ وأشرف.

     فإن لم تؤثر فليرتكب ما يقابلها من الرذائل مع حافظة التعديل،  فالجبون يعمل عمل المتهوّر، والمتملّق يعمل عمل المتكبّر، والخائف يخوض في المخاوف والأهوال، والبخيل يكثر من بذل الأموال، فإذا حان أوان الإعتدال كفّ عنها حتّى لايتبدّل بها ، وهذه بمنزلة المعالجة بالسموم.

        فإن لم ينفعه ذلك لصعوبة المرض واستحكامه فليعذّبها بأنواع الرياضات المتعبة المضعفة للقوّة الباعثة عليها من النذور والعهود وغيرها ، وهي بمنزلة الكيّ والقطع وهو آخر الدواء.

 

 

 


  

   أضف مشاركة