المشرف العام

تحصيل العلم

4/1/2021 - 3:21 ص     140

البلاذة في تحصيل المعارف

     البلاذة المستلزمة للجهل، وعلاجها:

     الإستسلام لحالة الجهل وضعف الهمة في تحصيل الكمالات أمر قبيح يجب على كل من يسعى للكمال والتقدم أن يواجهه بعلو نفس والجد والإجتهاد.  

     وعليك بعلوّ الهمّة، أي ملكة السعي في نيل المعالي وعدم الكسل والفتور في تحصيلها وإن كان عسر الحصول محتاجاً إلى بذل مجهود ومشقّة، ولا تحصل هذه الملكلة إلا بكبر النفس وشدّة اليقين.

     مع التضرّع والإبتهال والإجتهاد في ذلك إلى أن يفتح الله عليه أبواب فيضه وفضله، قال تعالى : { والّذين جاهدوافينا لنهدينّهم سبلنا }. (1)

     وقد جرّبنا أنّ كثيراً من المحصّلين في بدو اشتغالهم كانوا في غاية البلاهة وجمود القريحة، ثمّ وصلوا بالرياضة والفكر إلى أعلى مراتب الفضيلة.

     واعلم أن ذلك لا يحصل بكثرة التعلم ولا بقوة الذكاء ولكن ذلك متوقف على توفيق الله والإخلاص في سلوك هذا الطريق([1]).

        في حديث الطويل عن الصادق عليه السلام:  ليس العلم بكثرة التعلم، إنما هو نور يقع في قلب من يريد الله أن يهديه، فإذا أردت العلم فاطلب أولاً في نفسك حقيقة العبودية، واطلب العلم باستعماله، واستفهم الله يفهمك.

        فبالمداومة على الأذكار القلبيّة واللسانية يحصل له أثر كلّي في دفعها ولا أقلّ من ضعفها وقلّتها، لكنّها تنفع بعد الأولين.

 

       الهمة في تحصيل المعارف وبناء النفس

     وبالعلم يمتاز الإنسان عن النفوس سائر المخلوقات، وبه يترقّى للمراتب العليا وقد تطابق العقل والنقل على كون العلم أشرف الأشياء.

     وافتتح الله تعالى في أول سورة أنزلها على نبيّه بنعمة الإيجاد، ثم العلم فقال تعالى:  { اقرأ باسم ربّك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * إقرأ وربّك الأكرم * الّذي علم بالقلم * علّم الإنسان ما لم يعلم } ([2]) تذكيراً لغاية دناءة الإنسان وخستّه في بدو خلقته، ونهاية شرفه وجلالته في خاتمته.

        وبه أظْهرَ الله تعالى فَضْلَ آدَمَ عليه السلام على الملائكة، وأمَرَهم بالسجودِ له أي في قوله تعالى:  { وَعَلَمَ آدَمَ إلاسْمَأَ كُلَها...} ثمّ قال تعالى: {وَإذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوْا لاِدَمَ فَسَجَدُوا ...) ([3]).

     لاريب في كون العلم محبوباً في نفسه ومطلوباً بالذات، ولذّة اقتنائه من أعظم اللذّات، وهو أقوى من تملك كل أمر عيني بل هو اكثر لذة من ملك الدنيا وما فيها، حيث أنّ اللذّة العقلية أقوى من الحسيّة لادراكه حاقّ الشيء ولبّه، بخلاف الحسّ، فلا يدركه إلا مخلوطاً كاللون المدرك بالعرض والطول والوضع وغيرها. 

     حتى نقل عن الشيخ النراقي أنه كان فقيراً، وقد أراد أن يكفي نفسه مؤنة المعيشة براتب شهري يحصل عليه طالب العلم ولكن لذة العلم أخذت بجوامع نفسه حتى صار يصرف كل ما يحصل له من مال في شراء زيت المصباح ليتمكن من المطالعة في جوف الليل.

     وقال الصادق عليه السلام: « لو يعلم الناس ما في فضل معرفة الله ما مدّوا أعينهم إلى ما متّع به الأعداء من زهرة الحـياة الدنيا ونعيمها، وكانت دنياهم عندهم أقـلّ ممّا يطؤونه بأرجلهم ولنعموا بمعرفة الله وتلذّذوا بها تلذّذ من لم يزل في روضات الجنان مع أولياء الله، إنّ معرفة الله أنس من كلّ وحشة، وصاحب من كلّ وحدة، ونور من كلّ ظلمة، وقوّة من كلّ ضعف، وشفاء من كلّ سقم ... الحديث. » ([4])

     وقد ورد في الأخبار الكثيرة تفسير قوله تعالى: { ما خلقت الجنّ والإنس الا ليعبدون } ([5]) بالمعرفة.

     ويشهد له الخبر القدسي : « كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق لكي أعرف »([6]).   وقال سيّد الساجدين عليه السلام:  « لوعلم الناس ما في طلب العلم لطلبوه ولو بسفك المهج وخوض اللجج ...الحديث »([7]).

     وقد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام:  العلم خير من المال لأن المال يحرسه والعلم يحرسك والمال تفنيه النفقة والعلم يزكو على الإنفاق والعلم حاكم والمال محكوم عليه مات خازنو المال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر أعبائهم مفقودة وآثارهم في القلب موجودة.

     وللعلماء ثواب عظيم وفضل جسيم، فقد ورد عن علي عليه السلام:  من كان من شيعتنا عالما بشريعتنا، فأخرج ضعفاء شيعتنا من ظلمة جهلهم إلى نور العلم الذي حبوناه به، جاء يوم القيامة على رأسه تاج من نور يضئ لأهل تلك العرصات، وحلة لا يقوم لأقل سلك منها الدنيا بحذافيرها.  ثم ينادي مناد: هذا أمل من بعض تلامذة آل محمد صلوات الله عليهم ، ألا فمن أخرجه في الدنيا من حيرة جهله، فليتشبث بنوره ليخرجه من حيرة ظلمة هـذه العرصات إلى نزه الجنان، فيخرج كل من كان علمه في الدنيا خيراً أو فتح عن قلبه من الجهل قفلا، أو أوضح له عن شبهة.

        ثم إن العلم الذي يبتلى به المكلف فيجب عليه أن يتعلم المسائل التي يبتلي بها مثل مسائل الشك والسهو في الصلاة.

        وكذلك جميع العلوم التي يتوقف عليها التحصيل عند طالب العلم كعلم الفقة والأصول والنحو الصرف والبلاغة والمنطق وغيرها مما هو ضروري لكل طالب علم.     

        كما على الخطيب أن يبني حصيلته العلمية التي تعينه على أداء وظيفته المقدسة في خدمة النبي وأهل بيته الأطهار عليه وعليهم الآف التحية والسلام من خلال العلوم التي تشكل المقومات الأساسية في بناء ملكات الخطيب الحسيني ومنها النحو والفقه والعقائد والتاريخ والمنطق والتفسير وغيرها.

     وهذا يحتاج لجد جهيد واجتهاد ومثابرة وعلى الخطيب أن يقتدي بعلمائنا الأعلام في همتهم واجتهادهم، فلو رجعنا لتصفح حياتهم المشرقة فسوف تجد منهم من سافر لطلب العلم ولم يكن لديه مال وكان فقيراً، ولكن بدأ دراسته الدينية بجد وإلى أن تذوق طعم العلم فكان يطالع ويقرأ إلى ساعة متأخرة من الليل مما كان يؤدي إلى انتهاء زيت السراج الذي كان يطالع على ضوئه ولفترة لم يكن يستطيع توفير ثمن زيت السراج رغم قلة السعر ولكنه لم يترك مطالعته!..

     بل إن حبه للعلم واجتهاده في تحصيل المعارف دعاه لأن يطالع على سراج المرحاض حيث الروائح المزعجة وحيث برد الشتاء وبعوض الصيف إضافة إلى الإحراج الذي يلقاه من زملائه الطلبة حينما يأتون ويرونه على هذه الحالة ورغم كل ذلك كان صابراً ومثابراً ولهذا وصل إلى هدفه كان ذلك الرجل هو العالم الجليل ملا مهدي النراقي  صاحب كتاب جامع السعادات وغيره من الكتب العظيمة ولولا اهتمامه الكبير بدراسته وعمله ما وصل إلى ما وصل. 

وحينما ترجع لبعض أعلام هذه الطائفة ممن ملك السمعة والوصيت والشهرة تجده يقضي ليله كله في حل مسألة واحدة ولك على سبيل المثال الشيخ جعفر بن خضر بن يحيى الجناحي الحلّي النجفي المعروف بـكاشف الغطاء 1156هــ 1227 هـ، رأس آل كاشف الغطاء، والشهير بجعفر الكبير وشيخ المشايخ.

     وقدكان فقيهاً وأصولياً ومتكلماً ومحققاً ومؤلفاً، ومرجع تقليد للشيعة وأديباً وشاعراً.  لقّب بكاشف الغطاء بعد تأليفه لكتابه الفقهي المشهور كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء.

     وتتلمذ عليه الكثير من العلماءحتى أنه مضى زمن في إيران أنَّ من عاصره ولم يحضر عليه لا يقلّد في إيران بل لا يكون مرجعاً عاما.  وقد انحصر منبر التدريس بهِ في الحوزة العلمية في النجف بعد وفاة السيد مهدي بحر العلوم سنة 1212هـ، فحضر عنده جميع أصحاب السيد ورجعوا إليه، للإغتراف من بحر علمه، فكان أستاذ رجال تلك الفترة على الإطلاق.

يقول صاحب كتاب اللمعات في كتابه: قال أستاذنا الشيخ حسن بن الشيخ جعفر الكبير صاحب كتاب كشف الغطاء في مجلس الدرس ذات يوم: كان الشيخ الكبير في الليالي ينام قليلاً ثم يستيقظ ويبقى مشغولاً بالمطالعة إلى وقت صلاة الليل، ثم يأخذ بالتضرع والمناجاة إلى طلوع الفجر.

        ذات ليلة سمعنا صراخه ونحيبه، وكان كأنه يلطم على رأسه، ركضت أنا وإخوتي فرأيناه وقد تغيّرت حالته وقد بللت دموعه ثيابه، وهو يلطم على رأسه ووجهه، امسكنا بيديه، وسألناه عن السبب قال: صدر مني خطأ، ذلك أني أول الليل كنت أفكر في مسألة فقهية بيّن العلماء الكبار حكمها، وكنت أبحث عن دليل الحكم في أحاديث أهل البيت عليهم السلام فراجعت كتب الأحاديث عدة ساعات، ولم أجد مستندها، وتعبت وقلت بسبب التعب الشديد: جزى الله العلماء خيراً حكموا حكماً بدون دليل ثم نمت فرأيت في عالم النوم أني ذهبت إلى الحرم المطهر لزيارة أمير المؤمنين عليه السلام، وعندما وصلت إلى محل نزع الأحذية رأيت في الصُّفة سجاداً، ومنبراً عالياً في صدر المجلس، وشخصاً موقراً ذا وجه جميل ونوراني جالساً على المنبر، وقد أخذ بالتدريس، وكان المكان غاصاً بالعلماء الأعلام، يستمعون إلى الدرس، سألت شخصاً: من هم هؤلاء؟.. ومن هو الجالس على المنبر؟.. قال: هو المحقق الأول صاحب الشرائع.. وهؤلاء الذين تحت المنبر هم علماء الشيعة، فسررت وقلت في نفسي: حيث أني منهم طبعاً سيحترمونني، وعندما صعدت إلى حيث كانوا سلمت، ولكنهم أجابوا جواب المكره العابس، وأرشدوني إلى مكان للجلوس، فغضبت لذلك، والتفت إلى المحقق وقلت: ألست من فقهاء الشيعة، فلِمَ تتعاملون معي هكذا؟.. فقال المحقق- بمنتهى الحدة-: يا جعفر،  بذل علماء الإمامية جهوداً وأنفقوا الكثير حتى جمعوا أخبار الأئمة الأطهار عليهم السلام من أطراف المدن من الرواة، وصنفوا كل حديث في محله بأسماء الرواة، وأحوالهم ، وتصحيحها، وتوثيقها أو تضعيفها، حتى يأتي أمثالك ويجدوا مستند الأحكام ودليلها.. أنت جلست عدة ساعات على السجادة ولاحظت عدداً من الكتب الموجودة لديك ولم تلاحظ بعد كل ما لديك وفوراً اعترضت على العلماء ونسبت إليهم أنهم أفتوا بدون مستند ودليل، في حين أن هذا الرجل الموجود تحت المنبر، أورد هذا الحديث في عدة أماكن من كتابه، وذلك الكتاب موجود بين كتبك ومؤلفه هذا الشخص الذي يسمى الملا محسن الفيض الكاشاني (  الفيض الكاشاني) .

أضاف الشيخ جعفر: فارتعدت فرائصي من كلام المحقق، واستيقظت من النوم، وبسبب ذنبي والندم عليه أصبحت على هذه الحالة التي ترون .



([1]) سوف يأتي الحديث عن التوفيق الألهي في الدروس المقبلة

([2]) سورة العلق: آية 1 ـ 5.

([3]) سُورة البقرة: آية 31 و 32.

([4]) الكافي : 8 / 247 ، ح 2347.

([5]) سورة الذاريات: آية 56.

([6]) كلمات مكنونه : 33.

([7]) الكافي : 1 / 35 ، كتاب فضل العلم ، باب ثواب العالم والمتعلّم ، ح 5.

 

 

 


  

   أضف مشاركة