اثبات نبوة النبي الاكرم ووظائفه وصفاته

 

المشرف العام

اثبات نبوة النبي الاكرم ووظائفه وصفاته

3/3/2021 - 1:27 ص     42

الجهة الثالثة: إثبات نبوة النبي محمد

لا شك أن ادعاء النبوة أمر خطير ويحتاج تصديق الناس فيه لبرهان قاطع لا يحتمل الخطأ ويمكن تصور حصول هذا البرهان في هذا الزمن بأمرين:

  1. نص الأنبياء السابقين الذين قد ثبت بالقطع أنهم أنبياء

وهذا أمر حاصل في نبوة نبينا ولكن لندرة وجود الكتب المساوية أولاً ووقوع التحريف والتزوير فيها ثانياً فإن الباحث عن الحق يكون عرضة للشك في صدور ذلك أولاً وفي مصداقيته ثانياً ولهذا فلا يصلح هذا الطريق لأن يكون برهاناً قاطعاً للشك ورافعاً له في هذا الزمن.

  1. الإتيان بالمعجز:

بمعنى أن يُقرِنَ مدّعي النبوة دعواه، بعملٍ خارقٍ للعادة لا يقدر الخلق على مثله ويتحدّى به الآخرين فيعجزهم، ويكونَ ذلك العمل للخارق مطابقاً لدعواه ودالا على صدقه.

وتصور البرهان بالمعجزة على صدق المدعي للنبوة يحتاج للتنبيه على عدة مقدمات ومنها:

  1. تعريف المعجزة
  2. كيف تكون دليلا على النبوة؟
  3. بيان إعجاز القرآن الكريم

 

أ - تعريف المعجزة :

والمعجزة هي: الأمر الخارق للعادة أي لقوانين الطبيعة ونظام الكون بحيث لا يقدر المخلوق على مثله.

 وليس منها المستحيل عقلا كاجتماع النقيضين فهذا لا يمكن عقلا ولا عادة بل المقصود منها هو خصوص ما يخالف القوانين الكونية مثل إحياء الموتى فرجوع الحياة للميت غير ممكن عادة وفي قانون الطبيعة ولكنه ليس مستحيلاً عقلاً ويشترط فيها أن تكون مقترنة بالإدعاء وأن تكون مطابقة له بحيث يعلم منها صدق المدعي لا كذبه.

فمسيلمة الكذّاب كان يدّعي أنه قادر على الإبراء ولكنه كان لا يضع يده على مريض إلا ويزداد مرضه ففي هذا الأمر الخارق للعادة تكذيب لا تصديق.

 

ب : كيف تكون دليلاً على النبوة؟

س :  ما هو وجه الحاجة للمعجزة وكيف تكون دليلا على النبوة؟

ج :  لابد بحكم العقل من تعيين المعصوم وتشخيصه بصورة واضحة لكي يتسنى للناس أن يأخذوا منه دين الله تعالى وإلا فلا فائدة في النبي المبعوث للناس ما لم يُعيّن للناس ويعرفوه، كما لابد وأن يرد التعيين والتشخيص من الخالق الذي يدّعي النبي أنه مبعوث عنه,  

فعليه لابد وأن يكون الدليل بحيث لا يقدر المخلوق على الإتيان بمثله فيعلم الناس بعدم إمكان صدوره إلا من  الخالق سبحانه وأن ذلك إنما كان تصديقاً منه تعالى للنبي في دعواه، حيث يستحيل على الله سبحانه أن يجري الإعجاز على يد الكاذبين وإلا لوقع اللبس وحصل الهرج والمرج فيكون في ذلك تغرير وخديعة للعباد وحشاه تعالى أن يخدع عباده أو يغررهم بالجهل سبحانه وتعالى عما يصفون، فليس من اللائق بالحكيم اللطيف بعباده الذي يرد أن يهديهم أن يجري الإعجاز على يد الكاذبين وأن يقرن دعواهم الكاذبة بالمعجزة, التي تؤدي لتصديقهم عند الناس وإلا لآمن بهم الناس وأطاعوهم، وكل ذلك إضلال وغواية متنافية مع الغاية من الخلق ومع حكمة الخالق سبحانه.

فتبين أن الأعجاز لا يجري إلا على يد الصادقين وأنه دليل تصديق الخالق للمدعي الصادق.

 

ت : بيان إعجاز القرآن الكريم

قد تبيّن لنا أن الإعجاز دليل على التصديق وأن من يأتي بالمعجزة الموافقة لدعواه فهو صادق وأنه نبي بحق. 

 

س:  فما هي معجزة النبي  الدالة على صدقه ونبوته بحيث تصلح لجميع البشر ولا يشك فيها أحد؟

ج: معجزة النبي محمد بن عبد الله القرشي الهاشمي  هي القرآن.

وإعجاز القرآن جلي لا يحتاج لبرهان وما التحدي الجاري الذي لم يقوَ أحد على مجاراته إلا خير شاهد على ذلك.

        فقد تحدى القرآن جميع البشر بصورة واضحة وجلية فقال سبحانه وتعالى متحديا البشر أن يأتوا بمثله، قال الله تعالى:        { قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِهَ ذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا }([1]).    

فلما لم يقدروا على أن يأتوا بمثله تحداهم أن يأتوا بعشر سورة مثله فقط فَقَالَ تَعَالَى:  { أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }([2]).

فلما لم يقدروا على ذلك تحداهم أن يأتوا بسورة واحدة مثله لا أكثر فقَالَ تَعَالَى:  { وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ }([3]).

فلم يقدروا على ذلك، ولو كانوا قادرين على أن يأتوا بمثله لأتوا به وأثبتوا تكذيب المدّعي، فقد ثبت التحدي وثبت العجز فثبت إعجاز القرآن، وبثبوت إعجاز القرآن يثبت صدق النبي  في دعواه للنبوة، فتثبت نبوته بضرس قاطع لا يعتريه الريب ولا الشك.

 

الجهة الرابعة وظائف الأنبياء

الأنبياء والرسل قادة أقوياء معلّمون من الله ومبعوثون من جانبه لقيادة الناس وهدايتهم لما خلقهم الله تعالى من أجله، لذا كانت عليهم مهام أو وظائف كبيرة نذكر منها:

 

( 1 ) الدعوة لعبادة الله:

دعوة العباد إلى عبادة الله ونهيهم عن الكفر والشرك وعبادة غير الله تعالى.

( 2 ) التبشير والإنذار:

فإنهم يبشرون الناس بسعادة الدنيا والآخرة في حالة التزامهم بالأحكام الإلهية كما يحذرونهم من الآثار المدمرة لحياتهم الدنيا ومستقبلهم الأخروي في حالة تمردهم على الأحكام الإلهية وتحكيمهم لغير ما أنزل الله تعالى، قال تعالى:  { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا }([4])

( 3 ) تربية الشعوب على مبادئ الدين:

تربية الناس وتعليمهم مبادئ دين الله قال تعالى: { هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ }([5]).

والمراد بالتزكية هو تطهير النفوس من صفات الكفر وموروثات الجاهلية وتربيتها على أخلاق الدين وصفات الصالحين.

والمراد بالتعليم هو تعريفهم بالعقيدة الحقة ومعارف القرآن الكريم والأحكام الإلهية من الواجبات والمحرمات والمستحبات والمكروهات.

( 5 ) الرد على الشبهات:

الرد على الشبهات والتهم الموجهة لهم ولرسالتهم ولأتباعهم، وذلك بإتباع أسلوب الحكمة والموعظة الحسنة، كما ورد في بعض الحوارات القرآنية، كقوله تعالى:  { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ  قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ  وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }([6]).

( 6 ) إقامة القِسط في المجتمعِ البشريّ وتطبيق قواعد الشريعة وأحكامها

كما قال تعالى :  { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ  عزيز}([7])

وغير ذلك من الوظائف الأخرى.

 

 

الجهة الخامسة:   من صفات المصطفى

 

لما كان النبي أو الرسول ممثلاً عن الله تعالى أمام خلقه وهادياً لهم، لذا كان من الضروري أن يكون الأكمل والأفضل في كل الصفات، والتي تشمل:

  1. طهارة المولد: من حيث عدم دناءة الآباء وعهر الأمهات.
  2.  الخلو من العيوب الجسمية المنفرة: كالبرص والجذام وما شابه ذلك.
  3. سلامة العقل: وكماله وقوة الذكاء والفطنة.
  4. الخلق العظيم: كالشجاعة والكرم والعفة والإيثار والغيرة وغيرهما.
  5. العلم: بأن يكون أعلم الناس فيما يحتاجون إليه في مختلف مجالات حياتهم.

 

ويستدل على ضرورة توفر تلكم الصفات في شخص النبي والرسول بعدة أدلة، ونذكر جملة منها :

  1. العقل والوجدان:

لأن العقل يستقبح تقديم الناقص على الكامل، والنفوس البشرية لا تميل لمن كانت فيه بعض العيوب.

 

  1. لزوم نقض الغرض:

يلزم نقض الغرض حيث أن الغرض من بعثة الأنبياء هو الدعوة لدين الله ولا يحصل ذلك إلا بطاعة العبادة وانقيادهم لهدي الأنبياء فلو كان فيهم أي منفر لما حصل هذا الغرض.

 

  1. النصوص الشرعية :

       قال تعالى:  { قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون }([8]).  

وقوله سبحانه وتعالى مخاطباً النبي محمداً :  { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ }([9]).  

وقد ورد عن الإمام علي u في وصف الأنبياء: استودعهم في أفضل مستودع وأقرهم في خير مستقر تناسلتهم كرائم الأصلاب إلى مطهرات الأرحام([10]).

وقد اختلف المسلمون في ضرورة ثبوت بعض هذه الصفات للأنبياء والرسل كطيب الولادة و العصمة وعلم الغيب  فلابد من التنبيه على وجه الحق فيها.



(1) سورة الإسراء:  آية 88.

(2) سورة هود:  آية 13.

(3) سورة البقرة:  آية 23.

(1) سورة الأحزاب:  آية 45.

(2) سورة الجمعة:  آية 2.

(1) سورة البقرة:  آية 258.

(2) سورة الحديد:  آية 25.

(1) سورة يونس:  آية 35.

(2) سورة آل عمران:  آية 159.

(3) نهج البلاغة، الخطبة 94.

 

 

 


  

   أضف مشاركة