المشرف العام

العدل - والنبوة

3/3/2021 - 1:15 ص     36

الأصل الثاني:  العدل

       

وهو الاعتقاد بأن الله سبحانه لا يظلم أحداً، ولا يفعل ما هو قبيح عند العقل السليم.  وليس هذا في الحقيقة أصلاً مستقلاً بل هو داخل في توحيد الصفات الجمالية الكمالية فإنما تم إفراد صفة العدل بالذكر والتأكيد عليها تنبيها على مخالفة الأشاعرة في ذلك حيث ذهبوا للقول:  أنه ليس الحسن إلا ما حسنه الشرع، وليس القبح إلا ما قبحه الشرع، وأنه تعالى لو خلد المطيع في جهنم، والعاصي في الجنة، لم يكن قبيحاً، لأنه يتصرف في ملكه قال تعالى:  { لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ }([1]).

فيلزم من ذلك عدم وجود شيء حسن اسمه العدل وعدم وجود شيء قبيح اسمه الظلم، فلو كان العدل منهياً عنه في الشرع لكان قبيحا ولو كان الظلم مأموراً به لكان حسناً.

مع أن الأشاعرة في الحقيقة لا ينكرون كونه تعالى عادلاً فعلاً، لكنهم يقول بعدم استحالة الظلم عليه واقعاً، فهو عندهم عادل فعلا ويمكن أن يكون ظالماُ بدون محذور عقلي.

أما العدلية وهم المعتزلة والإمامية فقالوا:  بأن العقل يستقل بحسن بعض الأفعال وقبح البعض الآخر، ويحكم بأن القبيح محال على الله تعالى، وفعل القبيح مناف للحكمة، وتعذيب المطيع ظلم، والظلم قبيح، وهو لا يقع منه تعالى.  وبهذا أثبتوا لله صفة العدل، وأفردوها بالذكر دون سائر الصفات إشارة إلى خلاف الأشاعرة.

وغاية مذهبهم هو القول: أن الحسن هو ما يفعله الله سبحانه وتعالى، وكل ما يفعله فهو حسن، فليس للعقل استقلال في تقبيح الأمور أو تحسينها.

 

الدليل العقلي على استحالة الظلم على الله تعالى

ونذكر لك دليلاً عقلياً واحداً على استحالة الظلم عليه سبحانه وتعالى، وذلك بأن يقال:  لا يمكن بحكم العقل أن يفعل الله القبيح لأنه لو فعل القبيح كالظلم فلا يخلو فعله من إحدى حالات:

أن يكون جاهلا بقبح الظلم.

أن يكون عالماً ولكنه محتاج لفعل القبيح وهو الظلم.

أن يكون عالماً وغير محتاج ولكن يفعل ذلك عبثاً وتلهياً.

أن يكون عالما وغير محتاج وغير عابث ولكن مجبور على ذلك.

وكل ذلك محال على الله سبحانه وتعالى فأنه عزّ وجلّ عالم غير جاهل وغني غير محتاج وحكيم لا يفعل ما يخالف الحكمة وهو القهار فوق عباده يفعل ما يشاء ولا يفعل ما يشاء غيره فالظلم محال عليه سبحانه وتعالى فيجب بحكم العقل أن يكون عادلاً.

 

 

 

 

 

 

 


 

الأصل الثالث : النبوة

 

وحديثنا فيها يقع في جهات:

الجهة الأولى
الجهة الثانية
الجهة الثالثة
الجهة الرابعة
الجهة الخامسة
الجهة السادسة
الجهة السابعة

 

:
:
:
:

:

:

:

 

تعريف النبوة.

مدى الحاجة لها وهل هي أصل أم فرع.

إثبات نبوة النبي محمد .

وظائف الأنبياء.

من صفات المصطفى

طيب الولادة.

العصمة

 

 

 

 

الجهة الأولى: تعريف النبوة

 

الأمر الأول

تعريف النبوة ومعناها

النبوة:  حالة إلهية غيبية يتلقى بها النبي المعارف الإلهية التي تعرفهم بالله تعالى وتدعوهم لعبادته.

فالمراد من النبوة:  هو التشرف بالاتصال بالعالم العلوي للغيب لتلقي الوحي الإلهي الموصل لتعاليم الله ومعارفه والنبي سواء كان قد وصل لمرتبة الرسول أو لا فهو مأمور بتبليغ التعاليم الإلهية التي تلقها.

الرسول:  وهو النبي الذي ينزل عليه الملك بالوحي فيراه ويكلمه والرسول هو الحامل لرسالة خاصة مشتملة على إتمام حجة يستتبع مخالفته هلاكاً أو عذاباً، قال تعالى:  { رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا }([2]).

وعليه فالنبي : - الذي لم يبلغ مرتبة الرسول - هو الذي يرى الوحي في المنام فأوحي إليه فيه فهو يخبر عن الله تعالى بغير واسطة أحد من البشر، والاثنان مأموران بالتبليغ للتعاليم التي يتلقوها.

أولو العزم: هم الرسل الذين يأتون بتعاليم مكملة للرسالة السابقة أو ناسخة لها وفق حال الناس واستعدادهم الجديد لتلقي تعاليم الرب وتطبيقها، والأنبياء الرسل المعروفون بأولي العزم خمسة وهم: نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، ونبينا محمد صلى الله عليهم أجمعين.

ومعنى العزم: هو الثبات على العهد الأول المأخوذ على الأنبياء، وكل واحد منهم صاحب شرعة ومنهاج وكتاب، ودينهم الإسلام.

فالنبوة: هي حالة تلقي الوحي والتعاليم.

والرسالة: هي نفس المعارف والتعاليم التي تلقاها لغرض تبليغها.

والكتاب: هو ما يجمع بين دفتيه أصول التعاليم والمعارف الإلهية التي تلقاها النبي المرسل للتبليغ، وفيه كل حكم إلهي مفروض وواجب الإتباع ولا يقبل النقض، وبعض الأنبياء خصوا بصحف، وسيأتي فيها الكلام أن شاء الله.

 

الجهة الثانية : مدى الحاجة لبعثة الأنبياء

 

النبوّة منزلة عالية ورتبة عظيمة، يجعلها الله سبحانه وتعالى لمن يختاره من عباده,  وهم أهل الكمال من البشر والذين علم الله منهم صدق النية والوفاء له في السراء والضراء وهي لطف خاص لهؤلاء الصالحين , وهم الذين اختارهم الله لوحيه وارتضاهم لغيبه, كما أنها لطف عام لعامة أفراد الإنسان, فمن خلالها نعرف المبدأ والمعاد, ونعرف ما يضرنا مما ينفعنا, ونعتقد أنها واجبة على الله سبحانه لأنه اللطيف الخبير بذاته المقدسة.

وهناك أدلة كثيرة تدل على وجوب بعث الأنبياء ونذكر ثلاثة منها:

  1. قاعدة اللطف:

وتصوير ذلك بوجوه ونذكر وجهين:

  1. اللطف المحصل:

والمقصود منه هو اللطف الذي لو لاه لما حصل الغرض من الخلقة بل لحصل نقض الغرض فإنّ معرفة المبدأ والمعاد مما سيطر على هموم الشعوب فالإنسان بطبيعة يريد أن يَعْلَم من أين جاء؟ ولماذا جاءَ؟ وإلى أين يذهب؟

ولكنّ العقلَ غير قادر على الإجابة كلّ هذه الأسئلة، ويشهد بذلك وجود الوثنية في أكثر الدول تقدما في العالم كاليابان وما ذلك إلا لأن عقول البشر لا زالت غير قادرة على محاربة الجهل والموروثات القديمة.

ولهذا فإن حكمة الصانع- تعالى - تقتضي إعلام العبد بخالقه ومبدئه ومعاده, حيث أن عقول البشر لا تستطيع على الوصول إلى ذلك, وذلك لقصور البشر عن الوصول لما في الغيب من أمر الخالق والمبدأ والمعاد, لخفاء الغيب عليهم وعدم قدرتهم على الإطلاع عليه فهم غير قادرين على عبادة الله سبحانه بما يريده من العبادة من غير طريقه, فبالنبوة عرفنا الله وعرفنا المبدأ والمعاد

 

  1. اللطف المقرب :

والمقصود منه أن كل ما يقرب العبد للغرض فهو لطف واجب على الله بذاته وهذا اللطف ليس كالأول من حيث أنه لا يحصل الغرض بدونه ولكنه إن حصل كان العبد أقرب لله فالجنة والنار لطف مقرب وليس لطفاً محصلاً فلولا وجود الجنة والنار لكانت

 عبادة الله واجبة باللطف الأول وهو التعريف به وبخالقيته سبحانه وتعالى ولكن اللطف الثاني كالوعد بالجنة والوعيد بالنار يقرب كل الخلق إليه ويوجد عندهم المحرك والرغبة للقرب منه سبحانه فدور هذا اللطف هو التقريب ودور اللطف الأول هو التعريف وتحصيل الغرض من الخلق.

  1. النبوة ضرورة في سعادة أفراد الإنسان:

لقد خلق الله الإنسان وخلق معه رغبات وغرائز فطرية لا يقوى على تجاهلها, فهو مجبول على تسخيير كل ما في الأرض لتحصيل هذه الرغبات والغرائز, ولو أنه فعل ذلك وأصبح أسير هذه الشهوات, لكان كبقية البهائم لا يعرف إلا الشهوات ولا يعيش إلا لأجلها, وبهذا يخالف طبيعته ويتصرف في الأرض بطريقة لا تلائم نوعه يبتعد على السعادة ويعيش حياة الغابة, فيصيبه الضياع, ويخسر طاقاته الفكرية, وشخصيته التي تميزه عن بقية البهائم والدين هو القادر على تنظيم شهوات الأفراد وإشباعها مع ملاحظة مصلحة المجتمع وذلك عبر الأحكام الشرعية التي نزل بها الأنبياء.

 

  1. النبوة حاجة اجتماعية ماسة:

وتوضيح ذلك:  إن الإنسان بطبيعة خلقته حيوان اجتماعي, لا يقوى على المعيشة لوحده بعيدا عن أراد جنسه, وهو أيضا محب لنفسه يهوى اللذات ويطيع الرغبات وقد فطر على غلب التغلب والسيطرة , فلو وخلي وحاله لطغى البشر بعضهم على بعض وقتل بعضهم بعضاً وتحولت حياته إلى جحيم، فلابد من رسم قانون ينظم ويوازن بين حق الفرد وحق المجتمع, وقد ثبت بالقطع إن الإنسان قاصر عن أن يقنن لنفسه قانوناً يحفظ به هذه الحقوق, ولهذا تجد هذا التخبط الواضح في تشخيص الأزمات العالمية وفي معالجتها بين البشر فإنّ اختلاف النظريات البشريّة في فهم القضايا الاقتصادية، والأخلاقية، وغيرها دليل على ما نقول بالإضافة لعدم نزاهة الأغلبية الساحقة من البشر في تطبيق القوانين والمعالجات, فربما سحقوا الكرامات وسلبوا أموال الأمم و قتلوا الشعوب باسم الحرية والديمقراطية وغيرها من الشعارات الجوفاء، فليس لقضية الاجتماع البشري إلا النبوات السماوية و قانون الخالق سبحانه, وشرعه الحنيف, الذي لا يخطئ في التشخيص ولا يُشكك في نزاهة مبلغيه وهم الأنبياء والرسل والأئمة لعصمتهم.

فعلمنا بما ذكرنا من أدلة أن الخلق محتاجون للنبوة فثبت وجوب بعث الأنبياء والرسل.



(1) سورة الأنبياء:  آية 23.

(1) سورة النساء:  آية 165.

 

 

 


  

   أضف مشاركة