المشرف العام

كيفية الوضوء

10/1/2021 - 3:20 ص     130

كيفية الوضوء:

       لقد اختلف المسلمون في تفسير هذه الآية الشريفة اختلافاً فاحشاً على آراء مختلفة، وساعد على ذلك وجود طوائف من الروايات لدى الطرفين ترجح بعض تلك الآراء المختلفة، وترتب على ذلك حصول اختلاف بينهم في كيفية الوضوء الصحيحة، واختلاف المسلمين في كيفية الوضوء الصحيحة وإن كان خلافاً في مسألة فقهية بحتة، ولكن حقيقة هذا الاختلاف يرجع للاختلاف في العقائد الإسلامية، وما يتفرع عليها من أصول وفروع كثيرة, كمسألة التعامل مع النصوص الواردة عن أهل البيت عليهم السلام التي تبين أحكام الدين الحنيف وتفسير القرآن المجيد, فحينما تبتني عقائد كثير من المسلمين على تهميش أهل البيت عليهم السلام وعدم العناية بهم وبرواياتهم, فإن هناك كمٌ هائل من الروايات الواردة في تفسير القرآن وفي بيان الأحكام الشرعية سوف يتم إلغاؤها, وهذا سوف يؤدي وبشكل حتمي لضياع كثير من المعارف القرآنية, وبذلك يقع البلاء العظيم والاختلاف الجسيم في فهم القرآن الكريم وفي معرفة الأحكام الشرعية. ولذا تجد الاختلاف الفاحش في معرفة الأحكام وفي تطبيقاتها, وفي فهم آيات الأحكام وغيرها من الآيات القرآنية الكثيرة, بحيث أن  هذه الآية الشريفة المتعرضة لبيان التكليف بالوضوء على قصرها إلا أنه وقع فيها النزاع بين المسلمين في فهم معناها على أقوال مختلفة وفي جهات عدة فقد وقع الاختلاف فيما يلي:     

أولا: في قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا  الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ }([1]).  

 وقع الإختلاف في ما المراد من الوجه؟  وفي أن الأذن هل هي من الوجه أم لا.؟

ثانياً:  في قوله تعالى : { فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} 

وقع الإختلاف في أن الغسل هل يجب أن يكون من الأصابع إلى المرافق في حركة عكسية أم لا؟

 

ثالثاً: في قوله تعالى { وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ }  في أنه هل يجب مسح جميع الرأس أو بعضه؟ .

 

رابعاً: في قوله تعالى { وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ }.  

على القراءة المشهورة بالنصب قد وقع الخلاف بين مسح الرجل، وغسلها .  

 

       ولك أيها القارئ العزيز التفسير الوارد عن أهل البيت عليهم السلام وبمعرفته تندفع جميع الآراء الأخرى.

  1. قوله تعالى:  { إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ }. 

القيام معنى لازم، لا يحتاج لمفعول به، ولكنه إذا تعدى إلى المفعول بـ (إلى) فإنه ربما دلّ إرادة الشيء، فإن القيام للشيء يعني التحرك نحوه، و هو يلازم الإرادة.

.ونظيره قوله تعالى: وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى }([2])

أي أردت أن تقيم لهم الصلاة.

 2 - قوله تعالى:  { فَاغْسِلُوا }([3]) .  

" الغَسل " - فتح الغين - إمرار الماء على الشيء.

و " الوجه " ما يستقبلك من الشيء، وغلب في الجانب المقبل من رأس الإنسان مثلا، وهو الجانب الذي فيه العين و الأنف و الفم، و يعين بالظهور عند المشافهة.

وقد فسر في الروايات المنقولة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام بما بين قصاص الشعر من الناصية وآخر الذقن طولا، وما دارت عليه الإبهام والوسطى والسبابة، فعلى هذا التحديد تكون الأذن خارجة عن حد الوجه. وهناك تحديدات أخر ذكرها المفسرون و الفقهاء.

و " الأيدي " جمع يد، وهي العضو الخاص الذي به القبض و البسط، وهو مجموع ما بين المنكب و أطراف الأصابع، وإذ كانت العناية في أعضاء جسم الإنسان تحددها المقاصد التي يقصدها الإنسان منها كالقبض والبسط في اليد مثلا، وكان المعظم من مقاصد اليد تحصل بما دون المرفق إلى أطراف الأصابع سمي أيضا باليد، ولذلك بعينه سمي ما دون الزند إلى أطراف الأصابع فصار اللفظ بذلك مشتركاً أو كالمشترك بين الكل والأبعاض.  فلفظ اليد يطلق على:

1 - مجموع ما بين المنكب وأطراف الأصابع، فيدخل فيه الذراع والعضد والكف والأصابع.  

     2 - ما بين المرفق وأطراف الأصابع فيدخل فيه الذراع والكف والأصابع.  

     3 - ما بين الزند وأطراف الأصابع فيدخل فيه الكف والأصابع.  

     4 - الأصابع لوحدها.

     وهذا الاشتراك هو الموجب لذكر القرينة المعينة إذا أريد به أحد هذه المعاني المذكورة، ولذلك قيد تعالى في قوله: {وَأَيْدِيَكُمْ} بقوله:  { إِلَى الْمَرَافِقِ }.  ليتعين أن المراد غسل اليد التي تنتهي إلى المرافق، فالقرينة هي التي أفادت أن المراد باليد هنا هو الجهة التي فيها الكف، و كذا فسرتها السنة.
     فعلى ذلك يكون قوله تعالى: { إِلَى الْمَرَافِقِ } لتحديد المغسول من اليد، لا لبيان كيفية الغسل، كما لو قال قائل: اصبغ الباب من فوقه إلى نصفه، فإنه لا يريد بذلك أن تكون بداية الصبغ من الأعلى للأسفل، فلو عكس الحال بأن صبغناه من النصف للأعلى تحقق الغرض، فقوله تعالى: {إِلَى الْمَرَافِقِ} ليس لبيان كيفية الغسل وإنما لتحديد المقدار الواجب غسله. ومثله في ذلك تحدد المقدار الواجب صبغه من الباب بالنصف الأعلى.

        وأما كيفية الغسل فلم تبينه الآية، فهي تحتمل كلتا الكيفيتين، ولذا أجمعت الأمة على صحة وضوء من بدأ في الغسل بالمرافق وانتهى إلى أطراف الأصابع، و ليس إلا لأن الآية تحتمله: لأن قوله: { إِلَى الْمَرَافِقِ } قيد للأيدي دون الغسل.

 

3-  قوله تعالى: { وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ }.

        المسح: إمرار اليد أو كل عضو لامس على الشيء بالمباشرة، يقال مسحت الشيء و مسحت بالشيء، فإذا عدي بنفسه أفاد الاستيعاب، و إذا عدي بالباء دل على المسح ببعضه من غير استيعاب و إحاطة.  فقوله تعالى: { برُءُوسِكُم } يدل على مسح بعض الرأس في الجملة، و أما أنه أي بعض من الرأس فمما هو خارج من مدلول الآية، و المتكفل لبيانه السنة، و قد صح أنه جانب الناصية من الرأس.،

        و أما قوله تعالى:  { وَأَرْجُلَكُمْ } فقد قُرأ بالجر، وهو لا محالة بالعطف على رؤوسكم. والقراءة المشهورة: وأرجلَكم - بالنصب - وكل شخص لو ألقي له الكلام وهو خالي الذهن لقضى أن وَأَرْجُلَكُمْ معطوف على موضع «رؤوسكم» و هو النصب، و فهم من الكلام وجوب غسل الوجه و اليدين، ومسح الرأس و الرجلين ولم يخطر بباله أن تعطف «أرجلكم» إلى «وجوهكم» في أول الآية مع انقطاع الحكم في قوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ}  بحكم آخر و هو قوله تعالى: { وامسحوا بوجوهكم }، فإن الطبع السليم يأبى عن حمل الكلام البليغ على ذلك فيكون قوله تعالى: {وَأَرْجُلَكُمْ} معطوفاً على محل (رؤوسكم) ففي اللغة العربية هنالك عطف على اللفظ تارة، وعطف على المعنى والمحل تارة أخرى.، فقوله تعالى: { أَرْجُلَكُم } إن محل الرؤوس من حيث الإعراب هنا، هو المفعول به لأنه الرؤوس ممسوحة في المعنى ولكن "بِرُؤُوسِكُمْ" بحسب الظاهر الكلمة مجرورة، فهي مجرورة اللفظ منصوبة المحل , فإذا أردنا العطف على لفظ برؤوسكم وهو الكسر فلابد وأن نقرأ وأرجلِكم ، فعلينا أن نقرأ العبارة بالكسر، وأما إذا أردنا العطف على محل رؤوسَكم وهو النصب، لأنه في مقام المفعول به فنقرأ (وأرجلَكم) بالنصب وهو هنا الفتح .. ولكن بنفس المعنى، أنه امسحوا رؤوسَكم وامسحوا أرجلَكم، ولا يصح هنا عطف أرجلكم على أيديكم فتكون الأرجل مغسولةً وذلك لوجود الفاصل بحكم جديد بقوله تعالى:  { وَامْسَحُوا } وهو مسح الرؤوس، وكيف يرضى طبع المتكلم البليغ أن يقول مثلا: قبلت وجه زيد و رأسه و مسحت بكتفه و يده، بنصب يد عطفاً على «وجه زيد» مع انقطاع الكلام الأول، و صلاحية قوله «يده» لأن يعطف على محل المجرور المتصل به، و هو أمر جائز دائر كثير الورود في كلامهم، فما الداعي لأن نخرج عن القواعد العربية، وعن الذوق السليم، ونُرجع أَرْجُلَكُم لكلمة (أيديكم) ونجعله معمولا لعامل سابق في الآية؟  حيث أن المفسرين الذين يعتقدون بغسل الرجلين، يقولون: أن الآية هكذا:  { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ }.

        ثم جاءت هذه الجملة معترضة وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ، فلماذا هذا التفسير؟.. ولماذا نفصل بين  فَاغْسِلُوا  وبين وَامْسَحُوا بهذا الفاصل؟ بل يلزم من ذلك نزول الآية الشريفة من قمة البلاغة إلى حضيض الرداءة في التعبير، فالمراد من ظاهر الآية وجوب مسح الرجلين لا غسلهما,

        وعلى ذلك وردت الروايات عن أئمة أهل البيت عليهم السلام وأما الروايات من طرق أهل السنة فإنها و إن كانت غير ناظرة إلى تفسير لفظ الآية، و إنما تحكي عمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم و فتوى بعض الصحابة، لكنها مختلفة: منها ما يوجب مسح الرجلين، و منها ما يوجب غسلهما.

        وقد رجح الجمهور منهم أخبار الغسل على أخبار المسح. لكنهم مع ذلك حاولوا تطبيق الآية على ما ذهبوا إليه من الحكم الفقهي بتوجيهات مختلفة ذكروها في المقام، والآية لا تحتمل شيئا منها إلا مع ردها من أوج بلاغتها إلى مهبط الرداءة، فالأحرى للقائل بوجوب غسل الرجلين في الوضوء أن يقول كما قال بعض المتقدمين كأنس والشعبي وغيرهما على ما نقل عنهم: أنه نزل جبرئيل بالمسح والسنة الغسل، ومعناه نسخ الكتاب بالسنة.

        وقد روي بأن الصحابة - صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم- كانوا يستعملون مسألة المسح لا مسألة الغسل، وعلى رأسهم أمير المؤمنين عليه السلام، وابن عباس، وأنس بن مالك -خادم النبي- وأبو مالك الأشعري، وأما من التابعين فهم كثيرون، حتى أنه في بعض النقول أن عثمان أيضا، كان من الذين يعتقدون بمسألة المسح، لا بمسألة الغسل,  وكذا نقل عن ابن عباس كما في تفسير الطبري أنه عرّف الوضوء تعريفا مختصرا فقال: الوضوء غسلتان ومسحتان، غسلتان للوجه واليدين، ومسحتان للرأس والرجلين.

        و أما قوله تعالى: وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ  المائدة: ٦  فالكعب هو العظم الناتئ في ظهر القدم. وربما قيل: إن الكعب هو العظم الناتئ في مفصل الساق و القدم، و هما كعبان في كل قدم في المفصل. وكيف ما كان فقد ذكرت الآية الشريفة أن كيفية الوضوء هي أن نغسل الوجوه والأيدي إلى المرافق ونسمح ببعض الرأس والأرجل إلى الكعبين.

 

        فيتركب الوضوء من أربعة أمور، وهي:

        1. غسل الوجه، وحده ما بين قصاص الشعر و الذقن طولاً، وما دارت عليه الإبهام و الوسطى عرضاً، فيجب غسل كل ما دخل في هذا الحد، ويكفي في ذلك الصدق العرفي فيكفي صب الماء من الأعلى ثم إجراؤه على كل من الجانبين على النهج المتعارف.
        2. غسل اليدين من المرفق إلى أطراف الأصابع، والمرفق هو مجمع عظمي الذراع والعضد، و يجب أن يكون الغسل من الأعلى إلى الأسفل عرفاً.

 

          تنبيه :

        يجب غسل ظاهر الشعر النابت فيما دخل في حد الوجه واليدين، ولا يجب إيصال الماء إلى الشعر المستور. كما يجب غسل جميع ما يدخل في الحد فإذا بقي شيء من حد الوجه أو اليدين لم يغسل - ولو بمقدار رأس إبرة - لا يصح الوضوء فيجب إزالة جميع ما يمنع وصول الماء للظاهر.

        3 - مسح مقدم الرأس ويكفي مسماه و الأفضل أن يمسح مقدار ثلاثة أصابع مضمومة.

        4 - مسح الرجلين، والواجب مسح ما بين أطراف الأصابع إلى الكعب وهو المفصل بين الساق والقدم -على الأظهر-  ويكفي المسمى عرضا، والأولى المسح بكل الكف.

        ويجب غسل جميع ما يدخل في الحد الواجب كما يجب غسل مقدار من الأطراف زائداً على الحد الواجب وكذلك المسح إذا لم يحصل اليقين بتحقق المأمور به إلا بذلك، ولا بد في المسح من أن يكون بالبلة الباقية في اليد فلو جفت لحرارة البدن أو الهواء أو غير ذلك أخذ البلة من لحيته الداخلة في حد الوجه ومسح بها.



  1.  المائدة: ٦

(1) سورة النساء:  آية 102.

  1.  المائدة: ٦

 

 

 

 


  

   أضف مشاركة