المشرف العام

التوفيق

4/1/2021 - 3:28 ص     160

التوفيق

        يقول الإمام عليه السلام: المؤمن يحتاج إلى توفيقٍ من الله، وواعظٍ من نفسه، وقَبولٍ ممن ينصحه.

        ثلاث خصال لا يستغني عنها مؤمن- مهما كان موقعه، ومهما كانت مرتبته، فهو غير مستغنٍ عن هذه الخصال الثلاث-:

  1. أن يوفقه الله -عز وجل-.
  2. وأن يكون له واعظٌ من نفسه، فيستشعر الذنب ويؤنِّب نفسه على ارتكابه، ويتأمَّل، ويتأَد.
  3. ويتأنَّى كلما خشي أن يقع في محذور، ثم إنَّ له ناصحاً ينصحه فيقبل نصيحته.

        التوفيق: يُطلق في مقابل الخذلان، والمراد من الخذلان: هو عدم النُّصرة، وعدم الإعانة، وذلك حين يُترك الإنسان وشأنه. فإنْ تخذلَ أخاك، فهذا لا يعني أن تَضرَّه، وإنما أن تتركه وشأنه في ظرفٍ هو بحاجةٍ إليك، فهذا هو الخذلان.

        الخذلان: أن يتركك الله وشأنك. والتوفيق: هو ما يقابله، وهو أن يُعينك على ما تقصد، ويعينك على ما ترغب، ويعينك على الوصول إلى ما فيه صلاحك، هذا هو التوفيق.

         كيف أشعر أني موفق ؟  أن انظر في نفسي ان قصدت عبادة معينة او طاعة أو فعل خير فإن اتممته على اكمل وجه فهذا مؤشر على التوفيق وإن رأيت انه قد انصرفت عنه بشواغل او سأم فعليك أن تتدبر في نفسك.

        وقد نقل أحد رجال الدين أنه قرّر ختم القرآن الكريم وإهداء ثواب ذلك للإمام الرضا عليه السلام، في شهر رمضان المبارك، ولكنه ما ان قرأ خمسة عشر جزءاً في النصف الأول من الشهر حتى توالت عليه المشاغل، فأعاقته عن إتمام القراءة، وحينما أنجز مشاغله وجد نفسه في أخريات شهر رمضان المبارك، فعزم على الذهاب إلى مرقد الإمام الرضا عليه السلام ليقدّم اعتذاره عن إتمام الختمة، ولكنه في طريقه إلى الحرم الطاهر مرّ على أحد العلماء، فقصّ عليه قصة مجيء العلامة الأميني إلى مدينة مشهد ليبقى عند مرقد الإمام الرضا عليه السلام وليصلّي كل ليلة من ليالي شهر رمضان ألف ركعة، وبتمام شهر رمضان كان قد أتمّ ثلاثين ألف ركعة أهداها للإمام الرضا عليه السلام، فخرج رجل الدين وقد اعتراه الخجل لموقفه فأكمل ما فاته من ختم القرآن الكريم في الليالي الأربع الأخيرة من شهر رمضان.

        وعلى كل حالك لعلّ هذا التوجه والانقطاع كانا من اسباب توفيق العلامة الاميني رحمه الله لكتابة موسوعة الغدير.

        والخلاصة: أنه ينبغي لنا أن نعلم بأن وراء المعادلات المادية معادلات معنوية، وأن صلاة الليل إحدى العوامل المهمة في صناعة المعادلات المعنوية.

 

        تنبيه وايقاض:

        ولكن عليك راعاك الله أن لا تخلط بين التوفيق والشهرة والصيت، فليست كل شهرة توفيق إنما التوفيق هو تحصيل مرضاة الله ورضا محمد وآل محمد صلوات الله عليهم، فلا يغرنك الشيطان فيكون ذكرك الجميل عند الناس طريقاً للكبر والتعالي على الناس والتمرد على القيم وترك محاسبة النفس وترويضها فإن للشيطان مكائد فاحذره.

 

         مناشئ الخذلان وسلب التوفيق:

         بعض الأحيان يسلب المؤمن التوفيق -لا أقل في بعض شؤونه-، يُسلب التوفيق فلا يستشعر اللذة في دعائه ومناجاته، يُسلب التوفيق فيرتكب معصيةً ما، ويسلب التوفيق فلا يأتي بطاعةٍ من الطاعات، ويسلب التوفيق فيُحرم من رزقه، ويسلب التوفيق فيُصاب بغمٍّ وهمّ، أمور كثيرة تنشأ نتيجةَ سلب التوفيق.

والذي يهمنا هنا هو خصوص التوفيق المتعلق بالطاعات والتوفيق في طريق محمد وال محمد.

        مناشئ التوفيق كثيرة ونذكر منها :

        السبب الأول : ان تعلم ان التوفيق بيد الله وحده

        فعليك أيها الخطيب أن تدرك أنك محتاج لله في كل شيء، وأنه ليس هناك أحد مستقل عن الله.  فكوننا عبيداً لله تعالى هو الواقع شئنا أم أبينا، ولكن الدوافع الأخرى الموجودة تدفعنا إلى عدم الالتفات إلى هذا الواقع أي العبودية.

        فليس هناك احد مستغنياً عن الله فالصوت والعلم وقوة البيان ما هي إلا أسباب ناقصة فكم من خطيب يملك كل موجبات النجاح الظاهري لكنه لا يوفق وكم من شخص خامل الذكر ضعيف القدرات يكتب له النجاح.

 

        إذن فالقوة وحدها، والعقل وحده، والذكاء وحده، كلُّ ذلك لا يكفي للوصول للغاية، مالم يكن الإنسان مُوفَّقاً للوصول إلى تلك الغاية.

        ينبغي أن نستشعر أنَّه بتوفيقٍ من الله -عز اسمه وتقدس-. أراد الله عز وجل، وأراد الرسول الكريم وأهل بيته عليهم السلام أن يتعلَّق الإنسان دائماً بالغيب، فلا يعتمد على الأسباب الظاهرية والمادية فحسب، بل لا بدَّ من أن يستشعر أنَّ ثمَّة أمراً غيبياً، له دخلٌ فيما حصل عليه، لاحظوا إنَّ القرآن أكَّد: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾. إذا استشعر الإنسان الحاجة إلى التوفيق الالهي، كان ارتباطه بالله أوثق. أمَّا إذا استشعر الإستقلال، أُصيب بالكِبْر، وأصيب بالعُجْب، ولم يستشعر الحاجة إلى التوكُّل، وإلى اللجوء إلى الله، وإلى الدعاء.

        السبب الثاني : التوكل على الله والثقة به طلب الاستعانة منه تعالى

        الإمام الحجة -عليه السلام- يقول في دعائه: (اللهم ارزقنا توفيق الطاعة).

        الطاعة لا تحصل دون توفيق، وقد يحصل ركوعٌ وسجودٌ ولقلقة لسان، ولكنها ليست الطاعة التامة. الطاعة التامة تحتاج إلى التوفيق، بل حتى الطاعة الظاهرية تحتاج إلى توفيق، (اللهم ارزقنا توفيق الطاعة وبعد المعصية).

 

        السبب الثالث : الابتعاد عن المعصية

        يحتاج إلى توفيق، والطاعة أيضاً تحتاج إلى توفيق من الله عز -اسمه وتقدس- فإن التوفيقات بركات خاصة يخص الله بها بعض عباد،ه وهي لا تحصل إلا بالطاعات، فما عند الله من خير لا يدرك بمعصية وإنما يجرك بالطاعة فقد روي عن الإمام الرضا عليه السلام قوله: إن الرجل ليكذب الكذب فيحرم بها رزقه، قيل: وكيف يحرم رزقه؟ قال: يحرم بها صلاة الليل فإذا حرم صلاة الليل حرم الرزق.

        ولا سيما ظلامات المؤمنين فهي من أقبح الذنوب الموجبة للخذلان سواء كانت الظلامات مالية أو غيرها ولو كانت بغيبة أو نميمة أو غيرها.

        روى محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن حماد بن عمرو وأنس بن محمد، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن آبائه عليهم السلام في وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام: يا علي من اغتيب عنده أخوه المسلم فاستطاع نصره فلم ينصره خذله الله في الدنيا والآخرة([1]).

          السبب الرابع : ترك اقتحام الشُّبهات

        اقتحام الشُّبهات، فضلا عن المحرَّمات. الإنسان الذي يداوم على مُواقعة الشُّبهة، فيأكل ما هو مشتبه، ويدخل فيما فيه شُبهة، ويقول عن غير معرفة، ويقف موقفاً دون وضوح، يشرب ما لا يعلم حلِّيته، ويأكل ما لا يعلم إباحته...، هذا الذي يقع في الشبهات، هذا يُسلب التوفيق إلى ترك المحرمات، بل يقع في المحرمات، (من حام حول الحمى كاد أن يقع فيه).  ومن ترك الشُّبهات نجى من المحرمات، أما من ارتكب الشبهات، وقع في المحرمات.

        فعليك أيها الخطيب أن تكون من احرص الناس على ترك الشبهات والبعد عنها فإن التساهل في اقتحام الشبهات قبيح من كل احد ومنك أقبح.  وأنت أحرص الناس على دينك وعلى طلب مرضاة الله.  وكم من شخص كان ظاهره الصلاح ولكن كانت عاقبتهم عاقبة سوء، حيث يبدى المرئ بالشبهات ثم يتدرج لفعل المحرمات ثم يفسد دينه وعقيدته.

        السبب الخامس : بر الوالدين وصلة الرحم

        فقد روي عن الامام الصادق عليه السلام:  ما يمنع الرجل منكم أن يبرّ والديه -حيين وميتين-، يصلي عنهما، ويتصدّق عنهما، ويحج عنهما، ويصوم عنهما، فيكون الذي صنع لهما، وله مثل ذلك، فيزيده الله ?عزوجل- ببرّه وصلته خيراً كثيراً([2]).

        السبب السادس:  التقاعس عن قضاء حاجة المؤمن

        هناك أمر أخير، هو الترفع عن قضاء حوائج المؤمنين -رغم القدرة-، وكثيراً ما حذرت الروايات من ذلك، أيها الأخوة المؤمنون. ففي الرواية: (من جاءه مؤمنٌ في حاجةٍ، وكان قادراً على قضائها، فلم يقضها له، خذله الله عز وجل)، أنت خذلت هذا المؤمن، فالله يخذلك. وخذلان الله ليس معناه أن يُنزل عليك العذاب، بل معناه أنّ الله تعالى يسلب عنك التوفيق، وإذا سُلب عنك التوفيق، بدأت في العدِّ التنازليّ، حتى تكون في أدنى درجات الضلال-المستجار بالله-([3]



([1]) وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي - ج 12 ص 291.

([2]) وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي - ج 8 ص 276-277.

([3]) مقتبس من بحث للشيخ الصنقور

 

 

 


  

   أضف مشاركة